السيد علي الطباطبائي
320
رياض المسائل ( ط . ق )
إن رسول اللَّه ص قال ما بين بئر المعطن إلى بئر المعطن أربعون ذراعا وما بين بئر الناضح إلى بئر الناضح ستون ذراعا وما بين العين إلى العين يعني القناة خمسمائة ذراع والطريق يتشاح عليه أهله فحده سبعة أذرع وفي الصحيح وغيره أربعون ذراعا من دون تفصيل بين بئر الناضح والمعطن وفي رواية خمسون إلا أن يكون إلى عطن أو إلى الطريق فأقل من ذلك إلى خمسة وعشرين وفي أخرى مروية عن قرب الإسناد كذلك إلا أنه زيد فيها وحريم البئر المحدثة خمسة وعشرون ذراعا ولاختلاف هذه الأخبار قيل بأن الحريم في البئر مطلقا ما يحتاج إليه في الانتفاع المقصود منها جمعا بينها واستظهره بعض متأخر متأخري أصحابنا وفيه ما لا يخفى لفساد الجمع ولا بعد التكافؤ أصلا لاعتضاد المفصلين بالشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا ويشعر به عبارة التنقيح ولو ضعيفا حيث نسب المختار إلى الأصحاب كافة بعد أن ادعى عليه أولا الشهرة فلا يقاومها باقي الروايات ولو كانت جمع صحيحة مع أن أكثرها ضعيفة وثانيا بعدم وضوح الشاهد عليه من نص ولا أمارة فهذا القول ضعيف غايته كمختار الإسكافي من أن حريم بئر الناضح قدر عمقها ممر الناضح لعدم وضوح مأخذه فلا يصح حمل رواية الستين عليه كما احتمله ونفي عنه البأس في المختلف وحريم العين والقناة ألف ذراع في الأرض الرخوة وفي الصلبة خمسمائة على الأظهر الأشهر هنا أيضا كما في المسألة السابقة للخبر يكون بين البئرين إذا كانت أرضا صلبة خمسمائة ذراع وإن كانت أرضا رخوة فألف ذراع وعليه يحمل إطلاق الخبرين السابقين بالخمسمائة بتقييده بما كانت صلبة وحده الإسكافي بما ينتفي به الضرر ومال إليه في المختلف واختار شيخنا الشهيد الثاني وبعض من تبعه جمعا بين ما دل على نفي الضرر وعلى جواز الإحياء من غير تحديد لضعف تلك الأخبار وللصحيح في رجل كانت له قناة في قرية فأراد أن يحفر كم يكون بينها في البعد حتى لا يضر بالأخرى في أرض إذا كانت صلبة أو رخوة فوقع ع على حسب أن لا يضر أحدهما بالأخرى إن شاء اللَّه تعالى وفيه نظر يظهر وجهه مما مر حرفا بحرف ويزيد هنا في الصحيح بكونه مكاتبة والمكاتب مجهولا وهما موجبان للمرجوحية أيضا من هذه الجهة إن لم نقل بكونهما موجبين للضعف كما ذكره في التنقيح ولكنه ضعيف نعم ربما يمكن المناقشة في الخبر المستند للأكثر بوروده في البئرين دون القناتين ومع ذلك ذيله مشعر بما ذكره الإسكافي لتضمنه قوله عليه السلام وقضى رسول اللَّه ص في رجل احتفر قناة وأتى لذلك سنة ثم إن رجلا احتفر إلى جانبها قناة فقضى أن يقاس الماء بجوانب البئر ليلة هذه وليلة هذه فإن كانت الأخيرة أخذت ماء الأول غورت الأخيرة وإن كانت الأولى أخذت ماء الأخيرة لم يكن لصاحب الأخيرة على الأول شيء فتأمل وربما يستفاد منه أن فائدة هذا الحريم منع الغير من إحداث عين أخرى في ذلك المقدار لئلا ينتقل ماء العين الأولى إلى الثانية وعليه نبه في المسالك وغيره وقالا ومن ثم اختلف باختلاف الأرض بالرخاوة والصلابة بخلاف حريم البئر المتقدم فإن فائدته منع الغير من إحياء ذلك المقدار مطلقا حتى الزرع والشجر لأن الغرض منه الانتفاع بالبئر فيما أعد له وما يحتاج إليه ويستثنى للعين قدر ما يحتاج إليه للانتفاع بها فيما أعدت له عرفا من غير تحديد واعلم أن ما ذكر في الحريم للبئر والعين والحائط والدار مخصوص بما إذا كان الإحياء في الموات فيختص الحريم بها وأما الأملاك فلا يعتبر الحريم فيها لأن الأملاك متعارضة وكل واحد من الملاك مسلط على ماله له التصرف كيف شاء فله أن يحفر بئرا في ملكه وإن كان لجاره بئر قريب منها وإن نقص ماء الأولى ولكن فعل مكروها ولو حفر في ملكه بئر بالوعة وفسد بئر الجار لم يمنع منه ولا ضمان عليه ومثله ما لو أعد داره المحفوف بالمساكن حماما أو خانا أو طاحونة أو حانوت حداد وقصار لأن له التصرف في ملكه كيف شاء صرح بجميع ذلك في المسالك والدروس والسرائر ونسبه في الكفاية إلى الأصحاب كافة مؤذنا بدعوى الإجماع عليه ونحوه الحلي حيث نفى الخلاف فيه ولكن قال في الكفاية ويشكل هذا الحكم في صورة تضرر الجار تضررا فاحشا نظرا إلى تضمن الأخبار المذكورة نفي الضرر والإضرار وهو الحديث المعمول به بين الخاصة والعامة المستفيضة [ المستفيض بينهم خصوصا ما تضمن الأخبار المذكورة من نفي الإضرار الواقع في ملك المضار وفيه نظر فإن حديث نفي الضرر المستفيض معارض بمثله من الحديث الدال على ثبوت السلطنة على الإطلاق لرب الأموال وهو أيضا معمول به بين الفريقين والتعارض بينهما تعارض العموم والخصوص من وجه والترجيح للثاني بالأصل وعمل الأصحاب كما اعترف به ولا سيما إذا استلزم منع المالك عن التصرف ضررا عليه أشد من ضرر الجار أو مساويا أو أقل بحيث لم يتفاحش معه ضرره وينبغي القطع في هذه الصور بما عليه الأصحاب وأما فيما عداها فالظاهر ذلك أيضا لما ذكر وإن كان الأحوط عدم الإضرار على الإطلاق وأما الأخبار الدالة على نفي الإضرار في ملك المضار فمع قصور سند بعضها وعدم مكافأته لما مضى يمكن حملها على ما إذا قصد المالك بالتصرف الإضرار دون رفع الحاجة كما يشعر به بعض تلك الأخبار ثم على تقدير تسليم ترجيح حديث نفي الضرار لا وجه لتخصيصه بصورة تفاحش الضرر مع عمومه وشموله للغير [ الثالثة من باع شيئا واستثنى واحدة ] الثالثة من باع من غيره نخلا المراد به الجنس الشامل للتعدد من أفراده بقرينة قوله واستثنى واحدة منها كان له المدخل إليها والمخرج عنها ومدى جرائدها بلا خلاف ظاهر ولا محكي للخبر القوي بالسكوني كما مر في رجل باع نخلا فاستثنى عليه نخلة فقضى له رسول اللَّه ص بالمدخل إليها والمخرج ومدى جرائدها ولأن ذلك مقتضى الاستثناء فكأنه استثناها وشرط على المالك التردد إليها لإصلاحها وأخذ ثمرها وذلك مقتضى العرف وأنه مثل استحقاق صاحب الثمرة على النخلة مع انتقالها عن ملكه وينبغي أن لا يكون إلا لمصلحة تلك النخلة المتعارفة لا غير اقتصارا على الأصل بل والعرف كما صرح به بعض الأصحاب ومقتضى هذا الدليل انسحاب الحكم في كل ما يشابه محل البحث من نحو بيع الدار واستثناء بيت منها أو نحو ذلك واعلم أن الأنسب ذكر هذه المسألة في كتاب البيع في بحث ما يدخل في المبيع كما فعله في الشرائع وسائر الأصحاب عدا الحلي فإنه ذكرها كالماتن هنا في هذا الكتاب [ الرابعة إذا تشاح أهل الوادي ] الرابعة إذا تشاح وتنازع أهل الوادي في مائه المباح الغير المملوك لهم حبسه الأعلى الذي يلي فوهة النهر